الأحد, 15 فبراير 2026
مادة إعلانية

تحول الموقف الإسباني من الصحراء: قراءة معمقة في دلالات التغير السياسي لمدريد

الأحد 15 فبراير 2026
تحول الموقف الإسباني من الصحراء: قراءة معمقة في دلالات التغير السياسي لمدريد

يوسف وفقير - البوابة بريس

نشرت جريدة Yabiladi مقالا بعنوان: "Spain’s evolving stance on Western Sahara: from self-determination to autonomy"، تناولت فيه بالتحليل والتحصيل التحول الذي عرفه الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية، معتبرة أن ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد تعديل عابر في الخطاب الدبلوماسي، بل يمثل تحوّلا استراتيجيا يعكس إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الإسبانية في محيطها الإقليمي. ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى الخلفية التاريخية لإسبانيا باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة في الإقليم، وهو ما يجعل موقفها محط متابعة دقيقة داخل الاتحاد الأوروبي وفي أروقة الأمم المتحدة.

ويشير المقال إلى أن مدريد ظلت لعقود طويلة تتبنى مقاربة تقليدية تستند إلى دعم مبدأ "تقرير المصير" وفق المرجعيات الأممية، غير أن التحولات الإقليمية والدولية، إلى جانب مستجدات العلاقات الثنائية مع الرباط، دفعت الحكومة الإسبانية سنة 2022 إلى إعلان دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، ووصفتها بأنها "الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية" لحل النزاع. هذا الوصف لم يكن مجرد صياغة دبلوماسية، بل حمل دلالات سياسية قوية تعكس اقتناعا متزايدا لدى صانع القرار الإسباني بأن المقاربة الواقعية قد تكون المدخل الأكثر قابلية للتطبيق بعد سنوات طويلة من الجمود.

ويربط المقال هذا التحول بالسياق الذي أعقب الأزمة الدبلوماسية بين الرباط ومدريد سنة 2021، وهي الأزمة التي شكلت لحظة مفصلية في العلاقات الثنائية، وكشفت حجم الترابط القائم بين البلدين في ملفات حساسة، من قبيل تدبير الهجرة غير النظامية، والتنسيق الأمني، والتعاون الاقتصادي. فقد أبرزت تلك المرحلة أن الاستقرار في الضفة الجنوبية للمتوسط ليس مجرد خيار سياسي لإسبانيا، بل ضرورة استراتيجية تمس أمنها الداخلي ومصالحها الحيوية، وهو ما أعاد ترتيب سلّم الأولويات في التعاطي مع عدد من الملفات العالقة.

كما يتوقف المقال عند البعد الجيوسياسي الأوسع لهذا التحول، موضحا أن مدريد باتت تتحرك في بيئة إقليمية تتسم بتعقيد متزايد، سواء بسبب التوترات في منطقة الساحل والصحراء، أو بفعل التحولات التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية. وفي هذا السياق، أصبح المغرب يُنظر إليه كشريك استراتيجي رئيسي للاتحاد الأوروبي، ليس فقط في مجال الأمن والهجرة، بل أيضا في مشاريع الربط الطاقي والتنمية الاقتصادية. ومن ثم، فإن دعم مبادرة الحكم الذاتي يندرج، بحسب التحليل، ضمن رؤية أشمل تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وضمان مصالح إسبانيا على المدى المتوسط والبعيد.

وعلى مستوى ردود الفعل، يبرز المقال أن الموقف الإسباني الجديد قوبل بترحيب رسمي من المغرب، الذي اعتبره تطورا يعكس إدراكا متناميا لواقعية مقترحه السياسي. في المقابل، شهدت العلاقات بين مدريد والجزائر توترا واضحا، تجلى في إجراءات دبلوماسية واقتصادية عكست حجم الحساسية التي يكتسيها الملف في المنطقة المغاربية. أما داخليا، فقد فتح القرار نقاشا سياسيا وإعلاميا واسعا داخل إسبانيا، حيث دافعت الحكومة عن خيارها باعتباره يعكس براغماتية سياسية ويخدم المصالح الوطنية، بينما اعتبرت بعض القوى السياسية أن هذا التحول يمثل قطيعة مع موقف تاريخي طالما ارتبط بالسياسة الخارجية الإسبانية.

ويشير المقال أيضا إلى أن التحول الإسباني لا يمكن عزله عن دينامية أوروبية أوسع تميل إلى البحث عن حلول عملية للنزاعات المزمنة، خصوصا في ظل تراجع الحماس الدولي لخيار الاستفتاء بسبب التعقيدات القانونية والسياسية المرتبطة به. فبعد عقود من التعثر في المسار الأممي، بدأت بعض العواصم الأوروبية تنظر إلى مقترح الحكم الذاتي باعتباره إطارا تفاوضيا يمكن أن يشكل أرضية لحل سياسي متوافق عليه، حتى وإن ظل هذا الطرح محل نقاش بين الأطراف المعنية.

وفي سياق أعم، يبرز المقال أن تغيير الموقف الإسباني يعكس تحوّلا في قراءة المصالح الوطنية في ظل عالم يشهد إعادة تشكيل للتحالفات وموازين القوى. فالدبلوماسية المعاصرة، كما يلمح التحليل، لم تعد محكومة فقط بالاعتبارات الرمزية أو التاريخية، بل أصبحت أكثر ارتباطا بحسابات الاستقرار والأمن والتنمية الاقتصادية. ومن هذا المنظور، فإن القرار الإسباني يمكن فهمه باعتباره نتيجة تفاعل معطيات متعددة، داخلية وخارجية، دفعت مدريد إلى إعادة صياغة تموقعها في هذا الملف المعقد.

كما يلفت المقال الانتباه إلى أن رمزية التحول لا تكمن فقط في مضمونه السياسي، بل أيضا في توقيته وسياقه، إذ جاء في مرحلة تشهد فيها المنطقة تحولات متسارعة، سواء على مستوى العلاقات الثنائية بين دول المغرب العربي، أو على صعيد علاقة الاتحاد الأوروبي بجواره الجنوبي. وهو ما يجعل من الموقف الإسباني عاملا مؤثرا في النقاش الأوروبي الأوسع حول سبل معالجة النزاع، خاصة في ظل الدور الذي تلعبه مدريد داخل المؤسسات الأوروبية.

ومن خلال ذلك يضع المقال التحول الإسباني ضمن مسار أوسع من إعادة التموضع السياسي في المنطقة، معتبرا أن ما جرى يعكس دينامية جديدة في التعاطي مع ملف الصحراء، قوامها تغليب الواقعية السياسية والسعي إلى حلول قابلة للتنفيذ، في بيئة دولية تتسم بعدم اليقين وتزايد الرهانات الاستراتيجية.

مقالات ذات صلة

انطلاق الحوار حول مشروع قانون المحاماة.. لجنة مشتركة تفتح باب التوافق بين الحكومة والنقباء
سياسة

انطلاق الحوار حول مشروع قانون المحاماة.. لجنة مشتركة تفتح باب التوافق بين الحكومة والنقباء

 يوسف وفقير - الرباطشهد ملف مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة تطورا جديدا، بعد الإعلان عن انطلاق أولى جولات الحوار القطاعي...

0 تعليقات
انتخاب المغرب بمجلس السلم والأمن يعزز حضوره في هندسة القرار الإفريقي
سياسة

انتخاب المغرب بمجلس السلم والأمن يعزز حضوره في هندسة القرار الإفريقي

 البوابة بريسانتُخب المغرب، اليوم الأربعاء، عضوا بمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، لولاية تمتد لسنتين، وذلك خلال الاقتراع الذي جرى...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

تعليقات الزوار (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

أضف تعليقًا

سيتم مراجعة تعليقك قبل النشر

أحدث الأخبار

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL