بقلم: يوسف وفقير
نشرت الإذاعة الوطنية الأمريكية تقريرا موسعا بمناسبة عيد الحب، كشفت فيه أن الورود الحمراء التي تتصدر واجهات المحلات في 14 فبراير ليست بريئة كما تبدو، وأن خلف جمالها الناعم تمتد سلاسل توريد طويلة تقطع الغابات وتستنزف المياه وتملأ السماء برحلات الشحن الجوي. فجأة، لم تعد الوردة مجرد تعبير رومانسي، بل صارت سؤالا أخلاقيا معلقا بين الغابة والمطار.
التقرير الذي بثته NPR أشار إلى أن الطلب الأميركي على زهور الفالنتاين يدفع مناطق كاملة في كولومبيا، خصوصا في غابات السحاب بجبال الأنديز، إلى التوسع الزراعي المكثف. خلال موسم واحد فقط، صدّرت كولومبيا نحو 35 ألف طن من الزهور والأوراق الخضراء، عبر أكثر من 500 رحلة شحن جوي، ذهب أكثر من 70 في المائة منها إلى الولايات المتحدة. أرقام ضخمة ليوم واحد من الرومانسية المكثفة.
الأمر لا يتوقف عند أميركا. ففي أوروبا، نقلت BBC دعوات ناشطين بريطانيين إلى مقاطعة الورود الحمراء في هذا الموسم، باعتبارها ذات بصمة كربونية مرتفعة بسبب الشحن الجوي والزراعة خارج مواسمها الطبيعية. أما في ألمانيا، فقد أوردت وكالة الأنباء الألمانية أن البلاد تستورد نحو مليار وردة سنويا، منها حوالي 250 مليون وردة تُنقل جوا من دول أفريقية مثل كينيا وإثيوبيا وزامبيا. مليار وردة… فقط كي نقول "أحبك".
هنا تظهر المفارقة الأخلاقية بكل وضوح: نحتفل بالحب، وهو أسمى تعبير إنساني، عبر منتوج موسمي يقطع آلاف الكيلومترات، ويستهلك المياه الجوفية، ويعتمد على مبيدات وأسمدة، ويضيف أطنانا من الانبعاثات إلى الغلاف الجوي. الحب، في نسخته المعولمة، صار صناعة ثقيلة. لم يعد همسة شاعر، بل فاتورة شحن جوي.
إنها الرأسمالية العاطفية في أبهى تجلياتها: تحويل الشعور إلى موسم اقتصادي. السوق لا تبيعك الوردة فقط، بل تبيعك الإحساس بأنك إن لم تشترالورد فأنت مقصّر. كأن الحب يحتاج إلى إثبات مادي مختوم بختم المحل.
قد يقول البعض إن صناعة الزهور توفر فرص عمل لمزارعين وعمال في دول الجنوب، وإن الاقتصاد لا يمكن فصله عن الطلب الاستهلاكي. هذا صحيح جزئيا. لكن المشكلة ليست في وجود القطاع، بل في نمط الاستهلاك المكثف والمركّز في أيام قليلة، بما يخلق ضغطا بيئيا هائلا على أنظمة هشة أصلا.
وفي المغرب، لسنا معزولين عن هذه السلسلة العالمية. جزء معتبر من الورود المتداولة في المحلات إما مستورد أو يعتمد على زراعة مكثفة تستهلك المياه في سياق إجهاد مائي واضح تعيشه البلاد منذ سنوات. يصبح ترشيد الماء شعارا وطنيا، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل من الحكمة أن نُكثف استهلاك منتوج سريع الذبول في موسم واحد.
لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى إلغاء الورد أو مصادرة الفرح. بل بإعادة التفكير في طريقة الاحتفال. هل يمكن أن نختار زهرة محلية في موسمها الطبيعي؟ نبتة في أصيص تكبر بدل أن تذبل؟ كتابا يحمل معنى؟ رسالة مكتوبة بخط اليد؟...
وفي زمن التحول الرقمي المتسارع، قد يبدو المشهد أكثر سخرية. فبينما تقطع الورود آلاف الكيلومترات لتصل في موعدها، يستطيع العاشق اليوم أن يرسل وردة افتراضية في ثانية واحدة عبر تطبيق مثل واتساب، دون أن تُقطع شجرة أو تُستنزف قطرة ماء أو تقلع طائرة شحن. مجرد ضغطة زر، وقلب أحمر يصل إلى الطرف الآخر.
صحيح أن الإيموجي لا يحمل عطرا، ولا ملمسا، ولا هشاشة طبيعية. لكنه يطرح سؤالا بيئيا مشروعا: هل الوسيط هو المهم أم المعنى؟ واش ضروري الوردة تكون مقطوعة باش تكون صادقة؟ أم أن كلمة دافئة قد تكون أحيانا أصدق وأقل ضررا من باقة تذبل بعد ثلاثة أيام وتتحول إلى نفايات؟
ربما لأول مرة في التاريخ، يصبح الإيموجي أكثر رأفة بالطبيعة من المقصّ. وربما لأول مرة، تكون "البصمة الرقمية" أخف وطأة من "البصمة الكربونية". التكنولوجيا التي يُقال إنها برّدت العلاقات، قد تكون ــ من زاوية بيئية ــ أكثر إنسانية من بعض طقوس الرومانسية التقليدية.
الحب، في جوهره، ليس استهلاكا، بل رعاية. ليس لحظة شراء، بل شعور وإحساس. وإذا كان التعبير عن المشاعر لا ينبغي أن يتحول إلى عبء على الكوكب، فربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا: هل نريد حبا يقطع الأشجار، أم حبا يحمي ما تبقى منها؟
قد لا تختفي الورود من الواجهات، ولن تتوقف الطائرات غدا. لكن مجرد طرح السؤال بداية وعي جديد. ففي زمن الأزمات المناخية، قد تكون أجمل هدية هي تلك التي لا تترك وراءها إلا أثرا طيبا على كل الاصعدة… لا أثرا كربونيا.
البوابة بريسفي تطور غير مسبوق في الأسواق الوطنية، لامس سعر الكيلوغرام الواحد من سمك السردين، اليوم الأحد 15 فبراير، عتبة...
البوابة بريس تستعد وزارة الشباب والثقافة والتواصل لإطلاق ورش تشريعي جديد يروم تأطير المجال الرقمي، من خلال إعداد مشروع قانون...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
كن أول من يعلق على هذا المقال
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني