الاثنين, 12 يناير 2026
مادة إعلانية

إفريقيا بؤرة الجوع… أم بؤرة النهب المنظّم؟

الأحد 11 يناير 2026
إفريقيا بؤرة الجوع… أم بؤرة النهب المنظّم؟

بقلم: يوسف وفقير

مرة أخرى، خرجت علينا المنظمات الأممية بتقرير "صادم"وأرقام مهولة ونسب مرعبة، وعبارات من قبيل "منعطف حرج" و"العالم بعيد عن تحقيق هدف القضاء على الجوع، حيث كشفت التقارير العالمية الحديثة الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية، في تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم لعام 2025، أن العالم لا يزال بعيدا عن تحقيق هدف القضاء على الجوع بحلول عام 2030، أرقام تُقدم بوجه إنساني حزين، لكن السؤال الحقيقي هو: كيف لقارة غنية بكل شيء ان تتحول إلى بؤرة للجوع؟ ومن المسؤول؟

التقرير يعترف بأن إفريقيا تسجل تدهورا مستمرا في مؤشرات الأمن الغذائي، وأن أكثر من 20 في المائة من سكانها يعانون من نقص التغذية، في وقت تعرف فيه مناطق أخرى نوعا من التحسن. لكن هذا "الاعتراف" يبقى ناقصا، لأنه يتعامل مع الجوع كأنه ظاهرة طبيعية، أو نتيجة حتمية لتغير المناخ أو الصدمات العالمية، متناسيا أن الجوع، في الحالة الإفريقية، هو قبل كل شيء نتيجة اختيارات سياسية واقتصادية مفروضة منذ عقود.

صحيح أن التقرير يتحدث عن تضخم أسعار الغذاء، وعن بلوغ كلفة النمط الغذائي الصحي 4.46 دولارات للفرد في اليوم، وهو رقم يجعل الغذاء الصحي امتيازا لا حقًا، خاصة في الدول منخفضة الدخل. وصحيح أيضا أن أكثر من 2.6 مليار شخص في العالم عاجزون عن تحمّل هذه الكلفة، من بينهم أكثر من مليار إفريقي. لكن السؤال الذي لا يقال بصوت عال هو: من الذي يحدد هذه الأسعار؟ ومن الذي يتحكم في سلاسل الإنتاج والتوزيع؟ ومن الذي راكم الأرباح خلال أزمات كوفيد والحروب، بينما كانت شعوب بأكملها تُدفَع نحو الجوع؟

القارة الإفريقية ليست فقيرة في مواردها، وهذه حقيقة يعرفها الجميع، حتى كُتّاب التقارير أنفسهم. إفريقيا غنية بالمعادن النفيسة، وبالنفط والغاز، وبالأراضي الزراعية الشاسعة، وبالثروات البحرية، وبأهم عنصر في أي تنمية: الإنسان. اليد العاملة متوفرة، والشباب يشكلون أغلبية سكانية، لكن الغريب هو أن هذه الوفرة لم تتحول إلى رفاه، بل إلى لعنة. والسبب واضح: الثروات لا تبقى حيث تُستخرج، بل تُنقل خاما إلى الخارج، تُصنَّع هناك، ثم تُعاد إلى أصحابها في شكل سلع باهظة الثمن. ومن بعد كيجيو يقولولك: "المشكلة في ضعف الإنتاجية المحلية".

الحديث عن الجوع في إفريقيا لا يمكن أن يكون صادقا دون الحديث عن الاستعمار الذي غيّر شكله ولم يغيّر جوهره. أغلب الدول الإفريقية حصلت على استقلال سياسي شكلي، بينما بقي القرار الاقتصادي مرتهنًا. فُرضت نماذج اقتصادية جاهزة، ونُصبت نخب تخدم مصالح اوربا أكثر مما تخدم شعوبها، وربطت القارة بسلاسل تبعية تجعلها دائما في موقع المستهلك، لا المنتج. خرج المستعمر بالأعلام، لكن رجع بالاستثمارات المشروطة، وبالشركات متعددة الجنسيات، وبالاتفاقيات التي لا تُناقَش. وبالدارجة: خرج من الباب، رجع من السرجم، ودك الوتاد.

التقرير يتحدث أيضا عن الحروب والصراعات كعامل من عوامل تفاقم الجوع، وهو كلام صحيح جزئيا، لكنه مبتور. لأن هذه الحروب لا تسقط من السماء، بل غالبا ما تُغذّى من الخارج، بالسلاح والدعم السياسي، ثم تتحول لاحقا إلى ذريعة للتدخل "الإنساني" أو "لحفظ السلام". وفي نهاية المطاف، يُعاد ترتيب السلطة بما يخدم مصالح معينة، وتُوقَّع عقود استغلال طويلة الأمد للثروات. وبعد كل هذا، تُنشر التقارير التي تبكي على الأطفال الجياع، وكأن الجوع نزل فجأة وبلا أسباب.

الأرقام المتعلقة بسوء التغذية، خاصة لدى النساء والأطفال، تكشف الوجه الأكثر قسوة لهذه المنظومة. ارتفاع فقر الدم لدى النساء إلى أكثر من 30 في المائة، وحرمان ثلثي الأطفال من الحد الأدنى للتنوع الغذائي، ليست مجرد مؤشرات صحية، بل نتائج سياسية مباشرة. عندما ترتفع الأسعار، تلجأ الأسر الفقيرة إلى أغذية أرخص وأقل قيمة غذائية، غنية بالطاقة وفقيرة في المغذيات. ثم نندهش من انتشار الهزال والسمنة في آن واحد.

صحيح أن الحكومات لجأت إلى إجراءات حماية اجتماعية، وتحويلات نقدية، ودعم مؤقت للأسعار، لكن حتى التقرير يعترف بأن هذه التدابير غير كافية ومحدودة الأثر. لأنها تعالج النتائج ولا تقترب من الأسباب. هي حلول ترقيعية لنظام عالمي يقوم على اللامساواة في الأصل. نظام يسمح بتراكم الثروة في جهة، وتراكم الجوع في جهة أخرى، ثم يطالب بالتمويل والتبرعات لسد الفجوة، دون المساس بجذورها.

يحذر التقرير من أن العالم يقف عند منعطف حرج، وأنه بدون التزام سياسي واستثمارات ضخمة، سيظل مئات الملايين يعانون من الجوع، خاصة في إفريقيا. هذا التحذير سمعناه كثيرا، وربما سنسمعه مرة أخرى في تقرير 2026 و2027. لكن إلى أن يتم الاعتراف بأن الجوع في إفريقيا ليس قدرا طبيعيا، بل نتيجة نظام دولي غير عادل، ستبقى هذه التقارير مجرد توصيف بارد لمأساة ساخنة.

إفريقيا لا تحتاج إلى مزيد من الشفقة، ولا إلى مزيد من الأرقام، بل إلى سيادة حقيقية على مواردها، وإلى نظام عالمي أقل نفاقا. أما غير ذلك، فسيظل الجوع قائما، وستظل التقارير تتوالى… وكل واحد يضحك على الذقون بطريقته.


مقالات ذات صلة

حين تغيب المسؤولية وتحضر “السيلفيات”: قراءة نقدية في مشهد غياب رئيس المجلس الجماعي لإيموزار كندر عن اللقاء التشاوري بعمالة صفرو.
كتاب وآراء

حين تغيب المسؤولية وتحضر “السيلفيات”: قراءة نقدية في مشهد غياب رئيس المجلس الجماعي لإيموزار كندر عن اللقاء التشاوري بعمالة صفرو.

بقلم: علي أعوين عضو المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومنتخب بجماعة ايموزار كندر.في مشهد لا يخلو من الدلالات...

0 تعليقات
حين صوّت العالم… واصل البعض الصراخ في الفراغ
كتاب وآراء

حين صوّت العالم… واصل البعض الصراخ في الفراغ

بقلم : يوسف وفقير بينما أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي أتابع فرحة المغاربة وبعض ردود الفعل التي أعقبت تصويت مجلس الأمن...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

تعليقات الزوار (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

أضف تعليقًا

سيتم مراجعة تعليقك قبل النشر

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL