الأربعاء, 11 فبراير 2026
مادة إعلانية

المنبر والمرآة: حين يُدين الإمام ما لم يُربّ نفسه عليه

الجمعة 14 نوفمبر 2025
المنبر والمرآة: حين يُدين الإمام ما لم يُربّ نفسه عليه

بقلم وردةأحرون

في مجتمع يُفترض أن يكون فيه الإمام حاملًا لخطاب الرحمة، نكتشف بين الحين والآخر وجوهًا تتقن التلاوة، لكنها تُخفي خلف المنبر رغبات مكبوتة، سلطوية، ومريضة.

هؤلاء لا يخدمون الدين، بل يخدمون أنفسهم.

ولا يحمون الجماعة، بل يحمون شهواتهم خلف جدار من القداسة الزائفة.

نحن لا نحتج على الدين، بل على من اختطفوا رمزيته ليمارسوا بها أبشع أشكال الانحراف.

نحن لا نهاجم الإمامة، بل نُسائل من جعلوها منصة للاغتصاب، للتحرش، ولإسكات الضحايا باسم الفضيلة.

أن يُدان الإمام المنحرف ويُسجن، لا يُلغي المفارقة، بل يُسلّط الضوء عليها.

لأن الجريمة وقعت داخل فضاء يُفترض أنه مقدّس، وبواسطة شخص يُفترض أنه قدوة.

ولأن الضحية لم تكن فقط فردًا، بل كانت ثقة جماعية تم انتهاكها.

المفارقة الأخلاقية هنا ليست في غياب المحاسبة، بل في الزمن الذي سبقها، حيث كان المنبر يُستخدم كأداة هيمنة، لا كمنصة وعي.

في تلك الفترة، كان الإمام يُمارس سلطته دون مساءلة، يُخاطب الناس باسم الله، بينما يُخفي داخله عنفًا مكبوتًا، رغبة مريضة، ونظرة دونية للآخر.

السجن لا يُعيد بناء الثقة، ولا يُصلح البنية التي سمحت له بالصعود إلى المنبر.

لأن المشكلة ليست فقط في الفعل، بل في الشرعية التي مُنحت له مسبقًا، وفي الخطاب الذي حصّنه من النقد، وفي القداسة التي جعلت مساءلته أمرًا مؤجلًا، لا فوريًا.

إننا أمام مفارقة تُعرّي المجتمع أكثر مما تُعرّي الإمام.

لأن المجتمع، حين يُقدّس الشكل ويُغفل الجوهر، يُصبح بيئة خصبة للانحراف.

وحين يُسارع إلى التبرؤ بعد الفضيحة، دون أن يُسائل نفسه، يُعيد إنتاج نفس البنية، بنفس الصمت، بنفس الخلل.

رفضٌ للنفاق.

بل هو رفضٌ لسلطة الوعظ حين تُمارَس دون مساءلة ذاتية، دون اعتراف بالهشاشة، دون وعي بأن من يُدين الناس قد يكون هو نفسه في حاجة إلى تربية داخلية لم يخضع لها.

إنه موقف وجودي، لا تنظيري.

إعلان بأن النزاهة الأخلاقية لا تُقاس بكمية النصوص المحفوظة، بل بقدرة الإنسان على الاعتراف بضعفه قبل أن يُدين ضعف الآخرين.

في زمن يُكافأ فيه من يُجيد الخطابة، أُكافئ الصدق مع الذات بالصمت.

لأن الكلمة، حين لا تُولد من تجربة صادقة، تُصبح عنفًا رمزيًا.

ولأن المنبر، حين يُمنح لمن لا يملك وعيًا أخلاقيًا، يتحول من منصة للرحمة إلى أداة للهيمنة.

بعض الأئمة لا يسقطون لأنهم ضعفاء، بل لأنهم لم يعترفوا بضعفهم.

لم يُربّوا أنفسهم قبل أن يُربّوا الناس.

لم يُمارسوا النزاهة كمساءلة، بل استخدموا الخطابة كقناع.

فصاروا ينهون عن الفاحشة، وهم غارقون فيها — لا عن بشرية، بل عن إنكار

مقالات ذات صلة

قانون المحاماة بين منطق الوثيقة وهاجس الاستقلالية.. صراع مفتوح على طاولة البرلمان
مجتمع

قانون المحاماة بين منطق الوثيقة وهاجس الاستقلالية.. صراع مفتوح على طاولة البرلمان

يوسف وفقير - الرباطيتواصل الجدل حول مشروع قانون مهنة المحاماة، في ظل تصاعد التوتر بين وزارة العدل وهيئات المحامين، وسط...

0 تعليقات
تعزية وموساة
مجتمع

تعزية وموساة

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره وببالغ الحزن والأسى، تلقينا نبأ وفاة المغفور لها بإذن الله تعالى والدة السيد ادريس بوطاهر.وعلى...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

تعليقات الزوار (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

أضف تعليقًا

سيتم مراجعة تعليقك قبل النشر

أحدث الأخبار

لقجع: تنظيم "الكان" أكد جاهزية المغرب.. ومونديال 2030 رهان استثنائي عابر للقارتين

منذ 10 ساعات

المالك: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العالم والعدالة الاجتماعية تبدأ من الطفل والتعليم

منذ 11 ساعة

تصاعد التوتر بين وهبي وهيئات المحامين بعد فشل مبادرة وساطة برلمانية

منذ يوم

الصحراء المغربية: تحولات دبلوماسية تقرب مسار الحسم

منذ يوم

وقفة وطنية وتصعيد مفتوح… المحامون يتمسكون بسحب مشروع قانون المهنة ويحذرون الحكومة

منذ 3 أيام

تحركات الجيش الجزائري شرق المغرب… رسائل ضغط أم اختبار للصبر الاستراتيجي

منذ 4 أيام

الحكومة تؤكد عدم تسجيل أي ضحايا بشرية للفيضانات وتعلن التعبئة لمواكبة التطورات

منذ 5 أيام

مجلس الحكومة يصادق على قوانين للخبرة القضائية والمراقبة الداخلية ويتدارس تطورات الفيضانات

منذ 5 أيام

السفارة الإسبانية بالرباط تكشف برنامجها الثقافي لسنة 2026 لتعزيز التقارب مع المغرب

منذ 6 أيام

قانون المحاماة بين منطق الوثيقة وهاجس الاستقلالية.. صراع مفتوح على طاولة البرلمان

منذ 6 أيام

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL