السبت, 28 مارس 2026
مادة إعلانية

بين "عدمية المعارضة" و"كسل الوزراء".. حين يُقصى المواطن من المشهد

الخميس 13 نوفمبر 2025
بين "عدمية المعارضة" و"كسل الوزراء".. حين يُقصى المواطن من المشهد

يوسف وفقير - الرباط

مرة أخرى، يتبارى ممثلو الأمة في البرلمان لا على مشاريع تنفع الناس، بل على من يتقن فن تبادل التهم أكثر. الأغلبية تصرخ في وجه المعارضة: أنتم عدميون تهدمون ولا تبنون! والمعارضة ترد بجرأة: الأغلبية عدد بلا معنى وحكومة من "الوزراء الكسالى"!! ...وبين الصراخ والرد، يضيع صوت المواطن الذي لم يبعث أحدا ليتحدث باسمه بهذه اللغة الخشبية.

في الجلسة الأخيرة لمناقشة الجزء الأول من قانون المالية، اختارت الأغلبية أن ترفع شعار "محاربة المال المشبوه" والعدمية السياسية، معتبرة أن المعارضة تسخر من كل إنجاز وتضعف الثقة في المؤسسات: فقال رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار إن العدمية "مرض يصيب الحياة السياسية"، وأن من السهل أن نهدم لكن من الصعب أن نبني. أما زميله من الأصالة والمعاصرة فراح يعدد إنجازات الحكومة بالأرقام، من النمو إلى المداخيل الجبائية، مرورا بالدعم المباشر الذي سيرتفع إلى 29 مليار درهم سنة 2026. وحتى الفريق الاستقلالي دخل على الخط، مطالبا بإبعاد "تجار الأزمات" والمال المشبوه عن السياسة، مؤكدا أنه لا مكان للمفسدين في تدبير الشأن العام.

كل شيء جميل في الخطاب، لولا أن الواقع شيء آخر. فالمواطن الذي يسمع كل هذه الخطب لا يرى لا إنجازا ولا تلاحما، بل يرى الأسعار ترتفع والقدرة الشرائية تنهار، و"العدمية" الوحيدة التي يعرفها هي عدمية الجيب حين يفرغ في منتصف الشهر.

لكن المعارضة لم تفوت الفرصة لترد الصاع صاعين. عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي، انتقد "الأغلبية العددية التي لا تصنع التاريخ"، وقال إن نواب الأغلبية يبدؤون مداخلاتهم بالثناء على الحكومة وينتهون بالاحتجاج عليها، في مفارقة تثير الشفقة لا الإعجاب. أما إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي، فاختصرها في جملة قاسية: "عندنا وزراء كسالى ما كيعرفوش يديرو والو"، قبل أن يستثني فوزي لقجع باعتباره الوزير الوحيد "اللي عندو تراكم". أحمد العبادي من التقدم والاشتراكية بدوره تحدث عن وعود مليون منصب شغل التي تبخرت، وعن الهدر في المال العام، وعن الفقر والهشاشة التي تتفاقم في القرى. وجاء دور عبد الله بوانو، الذي رمى الحكومة بتهم ثقيلة: "سطو على إنجازات الملك"، وبمقولته الشهيرة: تضارب المصالح والصفقات، والسطو تحت الأضواء الكاشفة، بل واعتبرها "حكومة الفراقشية" التي حرمت المغاربة من عيد الأضحى.

في خضم هذا السباق في توزيع الأوصاف، يحق لنا أن نسأل: واش المواطن خاصو يسمع "عدمية المعارضة" ولا "كسل الوزراء"؟ واش الجدل حول من سرق الإنجاز أهم ممن سرق أحلام الناس في التعليم والصحة والشغل الكريم؟ الأغلبية تتحدث عن المفسدين والمال المشبوه، والمعارضة ترد بالاحتجاجات والصفقات، ولكن الطرفين معا ينسون أن الفساد الحقيقي هو لما تفقد النخبة السياسية ثقة المواطن فيها، ولما يشعر المغاربة أن كل هذا النقاش مجرد مسرحية لا بطل فيها إلا الصراع على الكراسي.

في القرى والبوادي، حيث تبدأ أولى قطرات المطر، لا يسمع الناس صدى هذه الخطب. يسمعون فقط هدير السيول التي تقطع الطرق وتعزلهم عن العالم. هناك، لا يعرف الناس أسماء الوزراء ولا رؤساء الفرق، يعرفون فقط أن الطريق غير معبدة، وأن المستوصف مغلق، وأن المعلم يغيب، وأن الإدارة بعيدة. هناك، السياسة ليست لون حزب ولا شعار برنامج، بل حفرة في طريق تغرق عجلات الإسعاف، وقنطرة متهالكة تفصلهم عن الأسواق، وشباب بلا شغل يرحلون في صمت.

فيماذا سينفع الفلاح الصغير في زاكورة أو طاطا أن يسمع أن المعارضة عدَمية أو أن الوزير كسول؟ وماذا سيفعل التلميذ الذي يقطع الكيلومترات في البرد ليسمع أن "المالية العمومية بخير"؟ هذا التراشق بين الأغلبية والمعارضة قد يملأ القنوات والمواقع، لكنه لا يملأ ثلاجة المواطن ولا يعيد له كرامته.

البلاد اليوم لا تحتاج إلى معارضة تلعن ولا إلى أغلبية تبرر، بل إلى سياسة تنصت. إلى برلمان يرفع رأسه نحو المغرب المنسي لا نحو الكاميرات. فالمغرب لا يبنى بالخطب ولا بالأرقام التي تقال في القبة، بل بتلك الطرق التي تعبد في صمت، والمدارس التي تفتح دون ضجيج، والمستشفيات التي تداوي الفقراء دون مواعيد مسبقة.

في النهاية، قد تتغير الأغلبية وقد تتبدل المعارضة، لكن الفقر لا يتغير، والوحل نفسه ينتظر أولى قطرات الشتاء ليبتلع ما تبقى من وعودهم.

مقالات ذات صلة

العدول يصعّدون بالرباط رفضا لمشروع قانون المهنة ويطالبون بإصلاحات عاجلة
سياسة

العدول يصعّدون بالرباط رفضا لمشروع قانون المهنة ويطالبون بإصلاحات عاجلة

 يوسف وفقير - الرباطشهدت العاصمة الرباط، اليوم الجمعة، وقفة احتجاجية شارك فيها المئات من العدول أمام مقر وزارة العدل، تعبيرا...

0 تعليقات
تحولات في ملف الصحراء المغربية: مراجعة أمريكية لدور "المينورسو" وتعزيز الطرح المغربي
سياسة

تحولات في ملف الصحراء المغربية: مراجعة أمريكية لدور "المينورسو" وتعزيز الطرح المغربي

يوسف وفقيرمع اقتراب موعد جلسة مجلس الأمن الدولي المرتقبة خلال شهر أبريل لمناقشة قضية الصحراء المغربية، برزت مؤشرات جديدة على مستوى...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

تعليقات الزوار (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

أضف تعليقًا

سيتم مراجعة تعليقك قبل النشر

أحدث الأخبار

العدول يصعّدون بالرباط رفضا لمشروع قانون المهنة ويطالبون بإصلاحات عاجلة

منذ يوم

من المكتب الوطني إلى الشركة الجهوية: الكهرباء بين الاستقرار والغلاء في إيموزار كندر"

منذ يوم

واشنطن تطرح خريطة طريق من 15 نقطة لإنهاء حرب إيران وسط تصعيد ميداني متواصل

منذ 3 أيام

أخنوش: كرامة المدرس في صلب إصلاح التعليم ورهان استراتيجي لمستقبل المدرسة العمومية

منذ 3 أيام

التوقيت في المغرب : دراسة ميدانية ترصد تأثيراته على حياة المواطنين

منذ 4 أيام

غينيا تحسم الجدل حول "كان 1976" وتفند ادعاءات إعلامية طالت تتويج المغرب

منذ 4 أيام

عقارب ضد المواطن.. لماذا ترفض الحكومة الإنصات لنبض الشارع؟

منذ 6 أيام

تحولات في ملف الصحراء المغربية: مراجعة أمريكية لدور "المينورسو" وتعزيز الطرح المغربي

منذ 6 أيام

مرسوم جديد ينظم انتخابات 2026: اعتماد المنصة الرقمية للترشيحات وتحديد رزنامة الحملة

منذ أسبوع

جماعة ايموزار كندر: شكاية رسمية تطرق باب عامل إقليم صفرو بسبب شبهة خروقات في مباراة توظيف

منذ أسبوع

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL