الاثنين, 17 أغسطس 2026
اشترك الآن
Bawabapress

ريما غزولة.. امرأة اختارت أن تجعل من الفن مساحة للحلم ومن الثقافة طريقاً لصناعة الأثر

الاثنين 17 أغسطس 2026 133
مشاركة:
ريما غزولة.. امرأة اختارت أن تجعل من الفن مساحة للحلم ومن الثقافة طريقاً لصناعة الأثر

بقلم: آية الأجراوي


هناك مسارات لا تُختصر في مهنة واحدة، ولا يمكن اختزال أصحابها في لقب واحد. مسارات تتشكل بهدوء من تجارب متراكمة، ومن شغف لا يعرف الحدود، ومن إيمان بأن الموهبة الحقيقية لا تُقاس بما وصلت إليه فقط، وإنما بما تستطيع أن تتركه خلفها من أثر.


هكذا تبدو تجربة ريما غزولة؛ تجربة اختارت أن تتحرك بين المسرح والموسيقى والسينما والإعلام والتنشيط الثقافي، لا بحثاً عن تعدد العناوين، وإنما انطلاقاً من رغبة حقيقية في اكتشاف إمكانات الفن، وتجريب أشكال مختلفة من التعبير، وتحويل المعرفة إلى ممارسة والحضور إلى رسالة.


منذ خطواتها الأولى في عالم المسرح، بدا واضحاً أن الخشبة بالنسبة إلى ريما لم تكن مجرد فضاء للظهور، بل مدرسة للحياة. فمن خلالها تعلمت كيف تصغي للجمهور، وكيف تمنح الشخصية روحاً، وكيف يمكن لكلمة أو حركة أو لحظة صمت أن تحمل معنى يتجاوز حدود العرض.


بدأت علاقتها بالتشخيص المسرحي في سن مبكرة، متأثرة بمحيط عائلي قريب من الفن والثقافة، قبل أن تتطور تجربتها عبر مشاركات متعددة داخل المغرب وخارجه، من بينها مشاركات في تونس، فضلاً عن حضورها في عرض “نوستالجيا” تحت إشراف وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة.


لكن علاقتها بالمسرح لم تتوقف عند الوقوف أمام الجمهور. فقد اختارت أيضاً أن تخوض تجربة الإخراج، من خلال الإشراف على ثلاثة عروض لفائدة الأطفال ذوي التنوع الوظيفي، في تجربة تحمل في عمقها أكثر من قيمة فنية؛ لأنها جعلت من المسرح وسيلة للإدماج، ومن الإبداع لغة قادرة على تجاوز الاختلافات وفتح المجال أمام الجميع للتعبير والمشاركة.


ومع التكوين في التشخيص والتأليف والإخراج والسينوغرافيا، أصبحت الخشبة بالنسبة إليها فضاءً للتعلم المستمر، وهو ما انعكس كذلك في تجربتها في التأطير والتكوين المسرحي بعدد من المؤسسات والمعاهد.


غير أن ريما لم تسمح للمسرح بأن يرسم وحده حدود تجربتها.


في الموسيقى، اختارت أن تقترب من التفاصيل التي تصنع الإحساس، فدرست الصولفيج والعزف على الكمان الكلاسيكي والبيانو، إلى جانب الموسيقى الأندلسية، لتفتح أمام نفسها نافذة أخرى على عالم شديد الثراء. ومن خلال هذه التجربة، شاركت في مهرجانات وتظاهرات موسيقية داخل المغرب وخارجه، مؤكدة أن الفن بالنسبة إليها ليس جزراً منفصلة، بل عوالم يمكن أن تتقاطع وتتكامل.


ثم جاءت السينما لتمنح هذه التجربة بعداً أكثر اتساعاً.


شاركت ريما في أعمال سينمائية ذات مضامين تربوية واجتماعية، ولامست من خلالها قضايا ترتبط بالإنسان والمجتمع، من بينها موضوع الهجرة. كما عرفت تجربتها السينمائية محطة لافتة من خلال مشاركتها في عمل لمخرج فرنسي عُرض ضمن فعاليات مهرجان السينما بمدينة مراكش.


وإذا كان المسرح قد منحها مواجهة مباشرة مع الجمهور، والموسيقى منحتها لغة أخرى للإحساس، والسينما أتاحت لها الاقتراب من القضايا الإنسانية، فإن الإعلام منحها مساحة مختلفة للتواصل وصناعة الحوار.


في المجال الإعلامي، قدمت ريما برنامج “ضيف برو”، وشاركت في عدد من المشاريع والبرامج الإعلامية، كما راكمت تجربة في التنشيط الثقافي والفني، جعلتها حاضرة في عدد من المهرجانات والتظاهرات الكبرى، من بينها مهرجان الشواطئ لاتصالات المغرب.


وهنا تحديداً يظهر جانب آخر من شخصيتها؛ فالتقديم والتنشيط أمام جمهور كبير لا يحتاج فقط إلى الحضور، بل إلى ثقافة، وسرعة بديهة، وقدرة على إدارة اللحظة والتفاعل مع مختلف المواقف.


وربما لهذا السبب، لم يكن انتقالها بين هذه المجالات انتقالاً عشوائياً. فكل تجربة كانت تهيئها لما بعدها، وكل محطة كانت تضيف إلى شخصيتها المهنية شيئاً جديداً.


اليوم، تواصل ريما غزولة اهتمامها بالإعلام والتواصل من خلال التكوين المستمر، إلى جانب حضورها عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تراهن على تقديم محتوى يقترب من الثقافة المغربية، ويعرّف بجمالياتها وقيمها الفنية والتراثية.


وفي زمن أصبح فيه المحتوى الرقمي جزءاً من المشهد الثقافي، تبدو هذه المسؤولية أكثر أهمية؛ لأن الحديث عن الثقافة لا ينبغي أن يبقى محصوراً في القاعات والمسارح، بل يجب أن يصل إلى الجيل الجديد بلغته وأدواته.


ما يجعل تجربة ريما غزولة لافتة، إذن، ليس فقط أنها خاضت مجالات متعددة، وإنما أنها حافظت وسط هذا التنوع على خيط ناظم واحد: الإيمان بالفن كقيمة، والثقافة كهوية، والإعلام كمسؤولية.


هي تجربة لا تزال مفتوحة على احتمالات كثيرة، وربما أجمل ما فيها أنها لم تتوقف عند إنجاز معين، ولم تعتبر محطة من محطاتها نهاية الطريق. فما دامت هناك خشبة، وكاميرا، وميكروفون، وموسيقى، وفكرة تستحق أن تُروى، ستظل هناك مساحة جديدة لريما كي تكتب فصلاً آخر من تجربتها.


ريما غزولة ليست فقط فنانة تخوض أكثر من مجال، ولا إعلامية صنعت لنفسها حضوراً في المشهد الثقافي؛ إنها نموذج لشابة اختارت ألا تحاصر نفسها داخل تعريف واحد، وأن تجعل من تنوعها مصدر قوة، ومن شغفها وقوداً للاستمرار.


وفي النهاية، تبقى بعض التجارب جديرة بالكتابة عنها، ليس لأنها وصلت إلى النهاية، وإنما لأنها ما زالت في الطريق… والطريق الذي يُبنى بالشغف والمعرفة والعمل، غالباً ما يكون أكثر جمالاً من الوصول نفسه.

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

مقالات ذات صلة

حين تتقدم الكلمة على الإيقاع… سفير الأغنية الهادفة مسلم يكتب ليلة أخرى في ذاكرة الناظور
فن وثقافة

حين تتقدم الكلمة على الإيقاع… سفير الأغنية الهادفة مسلم يكتب ليلة أخرى في ذاكرة الناظور

بقلم: آية الأجراويفي زمنٍ أصبحت فيه المنصات تتسابق على صناعة الفرجة، يختار سفير الأغنية الهادفة مسلم أن يصنع المعنى. فهو...

0 تعليقات
مهرجان إفران يختتم دورته بنجاح جماهيري لافت ويؤكد مكانته ضمن أبرز التظاهرات الفنية بالمغرب
فن وثقافة

مهرجان إفران يختتم دورته بنجاح جماهيري لافت ويؤكد مكانته ضمن أبرز التظاهرات الفنية بالمغرب

بقلم :ابراهيم رياضاختتمت فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان إفران الدولي، التي احتضنتها ساحة التاج بمدينة إفران خلال الفترة الممتدة من 25...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL