البوابة بريس- يوسف وفقير
فقدت الساحة الأكاديمية والثقافية المغربية، امس الجمعة 7 غشت، واحدا من أبرز الباحثين في تاريخ المغرب، برحيل الأستاذ والمؤرخ لطفي بوشنتوف، بعد معاناة مع المرض، منهيا مسارا علميا وأكاديميا حافلا بالبحث والتدريس والتأليف، تاركا وراءه إرثا معرفيا أسهم في إغناء الخزانة التاريخية الوطنية والجامعية.
وجاء رحيل بوشنتوف هادئا، كما كانت مسيرته العلمية بعيدة عن الأضواء، غير أن أثره في حقل الدراسات التاريخية ظل حاضرا من خلال أبحاثه وأعماله العلمية، ومن خلال أجيال من الطلبة والباحثين الذين استفادوا من تجربته الأكاديمية ومن صرامته في التعاطي مع المادة التاريخية.
وينتمي الراحل إلى جيل من المؤرخين المغاربة الذين سعوا إلى تجاوز القراءة التقليدية للتاريخ، والانفتاح على مقاربات أكثر عمقا في فهم المجتمع المغربي وتحولاته. فقد انشغل في أبحاثه بتفكيك البنيات الاجتماعية والسياسية والثقافية، مستندا إلى قراءة نقدية للوثيقة التاريخية، وإلى مساءلة العلاقات التي حكمت تشكل السلطة والمعرفة والمجتمع عبر مراحل مختلفة من تاريخ المغرب.
ويبرز هذا التوجه بوضوح في مشروعه العلمي المرتبط بالعلاقة بين المعرفة والسلطة، والذي تُوّج بأطروحته وكتابه المرجعي العالِم والسلطان، وهو العمل الذي خصصه لدراسة طبيعة العلاقات التي ربطت بين العلماء والشرائح الصوفية من جهة، ومؤسسة السلطة من جهة أخرى. وقد حاول من خلاله الكشف عن أشكال التفاعل والتوافق والتدافع بين هذه الأطراف، وآليات إنتاج المشروعية وإعادة توزيع النفوذ داخل المجتمع المغربي.
وقد مكّن هذا العمل صاحبه من تقديم قراءة تتجاوز سرد الأحداث والوقائع إلى البحث في خلفياتها وبنياتها العميقة، بما يجعل من التاريخ مجالا لفهم المجتمع وآليات اشتغاله، وليس مجرد استعادة للماضي. وهي المقاربة التي طبعت جانبا مهما من مشروعه البحثي، وجعلت أعماله ذات حضور في النقاش الأكاديمي المرتبط بتاريخ المغرب وتحولاته.
ولم يكن لطفي بوشنتوف مؤرخا يكتفي بجمع الوثائق وتصنيفها، وإنما كان باحثا ينظر إلى الوثيقة باعتبارها مادة تحتاج إلى النقد والتحليل والمساءلة. وقد انعكست هذه الروح على تجربته في التدريس والتأطير الجامعي، حيث جعل من التكوين العلمي والنقد التاريخي جزءا أساسيا من علاقته بالجامعة وبطلبتها.
وإلى جانب حضوره العلمي، عُرف الراحل بين زملائه وطلابه بدماثة الأخلاق والتواضع، وبحرصه على تقديم التوجيه العلمي بسخاء وهدوء. وهو ما جعل حضوره داخل الوسط الجامعي يتجاوز حدود الأستاذ والباحث، ليصبح جزءا من ذاكرة أجيال من الطلبة والباحثين الذين رافقهم في مساراتهم العلمية.
برحيل لطفي بوشنتوف، تفقد الجامعة المغربية واحدا من الباحثين الذين اختاروا أن يجعلوا من التاريخ أداة لفهم المجتمع، ومن البحث العلمي سبيلا لإعادة قراءة الماضي بعيدا عن الأحكام الجاهزة والسرديات السطحية. وبينما يُسدل الستار على مساره الأكاديمي، تبقى أعماله وأبحاثه شاهدا على جهد علمي سيواصل حضوره في الذاكرة التاريخية والجامعية المغربية.
رحم الله المؤرخ لطفي بوشنتوف، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وطلابه وزملاءه وكل محبيه جميل الصبر والسلوان.
تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين
بقلم: آية الأجراويمع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تتجه أنظار آلاف الأسر المغربية نحو مختلف الوجهات السياحية داخل المملكة،...
بقلم: آية الأجراوييمثل الحصول على الشهادة الجامعية لحظة فخر لكل طالب، فهي ثمرة سنوات من الاجتهاد والسهر، وبوابة يأمل من...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!