يوسف وفقير
لم تعد المشاهد القادمة من شواطئ الفنيدق وسبتة مجرد أخبار عابرة تتصدر نشرات الأخبار أو تتناقلها منصات التواصل الاجتماعي، بل أصبحت تعكس واقعا مقلقا يفرض نفسه بإلحاح. فآلاف الشباب، وبينهم قاصرون وأطفال، يختارون المجازفة بحياتهم في البحر أملا في الوصول إلى الضفة الأخرى، في مشهد يتكرر كلما اشتدت الأزمات وتراجع الأمل.
وخلال الأيام الأخيرة، شهدت مدينة سبتة المحتلة موجة غير مسبوقة من محاولات الهجرة غير النظامية، بعدما تمكن عدد كبير من المهاجرين من الوصول إلى المدينة سباحة أو عبر الالتفاف حول الحواجز البحرية، فيما تدخلت البحرية الملكية المغربية وخفر السواحل الإسباني لإنقاذ واعتراض العديد من المحاولات. وبالتوازي مع ذلك، تحدثت تقارير إعلامية عن توصل المغرب وإسبانيا إلى اتفاق استثنائي يقضي بإعادة كل من يدخل المدينة بطريقة غير قانونية إلى التراب المغربي، بما في ذلك القاصرون، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع استمرارها.
غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية إيقاف هذه الموجة، وإنما بما يدفعها إلى الظهور بهذا الحجم. فالحدود لا تصنع الرغبة في الهجرة، وإنما تكشفها. والبحر ليس سببا في المأساة، بل هو المساحة التي تظهر فيها أزمة أعمق، عنوانها فقدان الأمل لدى فئة واسعة من الشباب.
فالهجرة غير النظامية ليست وليدة لحظة، ولا نتيجة إشاعة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل هي حصيلة تراكمات اجتماعية واقتصادية ونفسية. فحين يشعر شاب بأن فرص الشغل محدودة، وأن الحصول على سكن أو تكوين أو دخل كريم أصبح حلما بعيد المنال، فإن فكرة الهجرة تتحول تدريجيا من مجرد رغبة إلى مشروع خلاص، مهما كانت كلفته.
ولعل أكثر ما يثير القلق في هذه الموجة هو الحضور اللافت للقاصرين، وهو ما يكشف أن الإحساس بانسداد الأفق لم يعد يقتصر على الشباب البالغين، بل امتد إلى فئات عمرية يفترض أن تكون داخل المدارس ومؤسسات التكوين. كما أن وجود عائلات بأكملها ضمن محاولات العبور يبرز أن الظاهرة تجاوزت كونها قرارات فردية، لتصبح تعبيرا عن أزمة ثقة في المستقبل.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن شبكات تهريب البشر تستغل مثل هذه الظروف، فتروج لأوهام الوصول السهل إلى أوروبا، مستفيدة من سرعة انتشار الأخبار عبر المنصات الرقمية، وهو ما يؤدي إلى موجات تقليد جماعية، يندفع خلالها المئات، بل الآلاف، نحو البحر في وقت واحد، دون إدراك حقيقي للمخاطر التي قد تنتهي بالغرق أو الإصابة أو الترحيل.
أما الاتفاق الذي تحدثت عنه تقارير إعلامية بين الرباط ومدريد بشأن الإرجاع السريع للمهاجرين، فقد يكون قادرا على الحد من التدفقات في المدى القريب، لكنه لن يكون كافيا إذا ظل التعامل مع الظاهرة مقتصرا على بعدها الأمني. فالحدود يمكن تشديدها، والمراقبة يمكن تعزيزها، لكن معالجة الأسباب الحقيقية تتطلب سياسات عمومية تمنح الشباب أسبابا للبقاء، لا مجرد موانع للمغادرة.
لقد أثبتت التجارب أن الهجرة غير النظامية ليست أزمة حدود فقط، بل هي في جوهرها أزمة تنمية، وأزمة ثقة، وأزمة شعور بالانتماء إلى مستقبل أفضل. وكلما اتسعت الفجوة بين تطلعات الشباب وإمكاناتهم، ازداد البحر ازدحاما بالراغبين في العبور، مهما ارتفعت الأسلاك أو تعززت الدوريات.
إن مشاهد سبتة الأخيرة يجب ألا تُقرأ باعتبارها مجرد نجاح أمني أو إخفاق أمني، ولا باعتبارها أزمة تخص المغرب أو إسبانيا وحدهما، بل باعتبارها جرس إنذار يدعو إلى إعادة التفكير في السياسات الموجهة للشباب، وفي كيفية تحويل الأمل إلى واقع ملموس. فالشباب لا يغامرون بأرواحهم لأن البحر أكثر أمنا، بل لأنهم يعتقدون، ولو خطأ، أن ما ينتظرهم خلفه أفضل مما يعيشونه أمامه.
تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين
البوابة بريسمنحة أمريكية لإعداد الدراسات الهندسية لمشروع الأمونيا الخضراء بالعيون تعزز الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطنشهدت مدينة العيون، أمس الثلاثاء،...
يوسف وفقيرصعدت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب من انتقاداتها للحكومة ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية، عقب مصادقة مجلس الحكومة على مشروع المرسوم...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!