يوسف وفقير
كشف بنك المغرب، في تقريره السنوي لسنة 2025، أن ما يقارب 50 مليار درهم وُجه خلال السنة الماضية إلى نظام المقاصة والامتيازات الضريبية، محذرا من أن جزءا مهما من هذه الموارد لا يصل بالفعالية المطلوبة إلى الفئات الأكثر هشاشة، في وقت يستفيد فيه أصحاب الدخول المرتفعة بشكل أكبر من آليات الدعم الحالية.
وأوضح التقرير أن التكلفة الفعلية لنظام المقاصة بلغت 17.7 مليار درهم خلال سنة 2025، مقابل 25.3 مليار درهم سنة 2024، أي بانخفاض قدره 7.6 مليارات درهم، غير أن نفقات الصندوق ظلت تمثل حوالي 1 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.
وأكد بنك المغرب أن نظام الدعم الحالي، القائم على دعم أسعار عدد من المواد الأساسية لفائدة جميع المستهلكين دون تمييز، يجعل الأسر الأكثر استهلاكا تحصد النصيب الأكبر من الدعم العمومي، وهو ما يعني عمليا أن الفئات الميسورة تستفيد أكثر من غيرها، رغم أن الهدف الأساسي للمقاصة يتمثل في حماية القدرة الشرائية للفئات الهشة.
وأشار التقرير إلى أن هذا النموذج يستدعي مراجعة تتيح توجيه الدعم بشكل أكثر دقة نحو المستحقين، خاصة في ظل الفوارق الكبيرة في مستويات الإنفاق بين الأسر، إذ يفوق متوسط إنفاق الخمس الأكثر يسرا أكثر من سبعة أضعاف إنفاق الخمس الأقل دخلا، كما أن معدل الإنفاق في الوسط الحضري يقارب ضعف نظيره في العالم القروي، ما ينعكس على حجم الاستفادة من الدعم الشامل.
ورغم أن التقرير لا يدعو إلى الإلغاء الفوري لنظام المقاصة، فإنه يعتبر أن اعتماد آليات أكثر استهدافا من شأنه أن يحسن فعالية الإنفاق العمومي، ويوجه الموارد إلى الفئات التي تحتاج إليها فعليا، مع تقليص استفادة الأسر الميسورة من هذا الدعم.
وفي الجانب الضريبي، أبرز التقرير أن كلفة الامتيازات الضريبية تجاوزت 32 مليار درهم خلال سنة 2025، وتشمل هذه الامتيازات مختلف الإعفاءات والتخفيضات والأنظمة التفضيلية الممنوحة لعدد من القطاعات والأنشطة الاقتصادية، والتي تمثل إيرادات تتخلى الدولة عن تحصيلها.
وسجل بنك المغرب أن عددا من هذه الامتيازات يمنح دون تقييم منتظم لمدى تحقيقه للأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي أُحدث من أجلها، ما يطرح تساؤلات حول مدى مساهمتها الفعلية في تشجيع الاستثمار، وإحداث فرص الشغل، وتحسين المؤشرات الاقتصادية، أو تحولها إلى امتيازات دائمة لفائدة فئات وقطاعات محددة دون مردودية واضحة.
وشدد التقرير على أن تحقيق العدالة الضريبية لا يقتصر على رفع المداخيل الجبائية أو محاربة التهرب الضريبي، بل يشمل أيضا مراجعة مختلف الإعفاءات وربط استمرارها بنتائج قابلة للقياس، بما يضمن أن تكون كلفتها على الميزانية مبررة بعوائد اقتصادية واجتماعية ملموسة.
وأشار بنك المغرب إلى أن مجموع ما تنفقه الدولة على المقاصة وما تتنازل عنه من مداخيل ضريبية يناهز 50 مليار درهم سنويا، معتبرا أن إعادة توجيه جزء من هذه الموارد قد يتيح تعزيز تمويل الحماية الاجتماعية وقطاعي الصحة والتعليم والاستثمارات المنتجة، بما يرفع من كفاءة الإنفاق العمومي.
وفي السياق نفسه، سجل التقرير أن المداخيل الجبائية ارتفعت بنسبة 15.3 في المائة خلال سنة 2025 لتصل إلى 388 مليار درهم، مدفوعة بتحسن النشاط الاقتصادي والإصلاحات الضريبية التي باشرتها الحكومة منذ سنة 2022. كما ارتفعت عائدات الضريبة على الشركات إلى 91.4 مليار درهم، بينما بلغت مداخيل الضريبة على الدخل 65.4 مليار درهم، في حين وصلت إيرادات الضريبة على القيمة المضافة إلى 143.6 مليار درهم.
ولفت التقرير إلى أن قانون المالية لسنة 2025 تضمن مجموعة من التدابير الرامية إلى تخفيف العبء الضريبي، من بينها رفع الحد الأدنى المعفى من الضريبة على الدخل إلى 40 ألف درهم سنويا، وخفض أعلى سعر للضريبة إلى 37 في المائة، والرفع من الخصم المرتبط بالأعباء العائلية، إضافة إلى تقليص الضريبة على معاشات التقاعد تمهيدا لإعفائها بشكل كامل ابتداء من سنة 2026، إلى جانب مواصلة إجراءات محاربة التهرب الضريبي وإدماج القطاع غير المهيكل.
وفي المقابل، نبه بنك المغرب إلى تزايد الضغوط التي تواجه المالية العمومية، مع ارتفاع فوائد الدين إلى 41.5 مليار درهم، وبلوغ نفقات الموظفين 179.7 مليار درهم، فضلا عن الالتزامات المتنامية المرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر وإصلاح أنظمة التقاعد، محذرا من أن آليات التمويل الاستثنائية التي ساهمت في تعبئة نحو 150 مليار درهم منذ سنة 2019 ستنتهي ابتداء من سنة 2028، في وقت قد تشهد فيه المداخيل الجبائية تباطؤا إذا تراجعت وتيرة النموالاقتصادي.
وخلص التقرير إلى أن معيار نجاح سياسات الدعم لا يقاس فقط بحجم الأموال التي تخصصها الدولة، وإنما بمدى وصولها إلى الفئات المستحقة وتحقيقها أثرا اقتصاديا واجتماعيا واضحا، داعيا إلى ترشيد توجيه الموارد العمومية بما يعزز العدالة الاجتماعية ويرفع من فعالية الإنفاق.
تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين
يوسف وفقيرأطلقت مجموعة البنك الدولي، بشراكة مع الحكومة المغربية، إطارا جديدا للشراكة القطرية يمتد من السنة المالية 2026 إلى غاية...
يوسف وفقيرتشهد المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة طفرة صناعية لافتة في مجال السيارات الكهربائية ومكوناتها، مدفوعة بتدفق استثمارات صينية ضخمة...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!