يوسف وفقير
اختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن يحول جلسة المساءلة الشهرية أمس بمجلس النواب، المخصصة لمنظومة التربية والتكوين، إلى منصة للدفاع عن حصيلة حكومته في قطاع التعليم، مستعرضا سلسلة من الأرقام والمؤشرات التي قال إنها تؤكد نجاح الإصلاحات الجارية وتحقيق نتائج ملموسة على مستوى جودة التعلمات ومحاربة الهدر المدرسي وتحسين أوضاع الأسرة التعليمية. غير أن الجلسة كشفت، في المقابل، استمرار الهوة بين الخطاب الحكومي المتفائل وبين الأسئلة التي تطرحها المعارضة حول الأثر الفعلي لهذه الإصلاحات على الواقع اليومي للمغاربة.
وفي معرض دفاعه عن الحصيلة الحكومية، أكد أخنوش أن التعليم يوجد في صلب مشروع "المغرب الصاعد"، مشيرا إلى أن ميزانية القطاع ارتفعت إلى 99 مليار درهم، بزيادة تفوق 68 في المائة مقارنة بسنة 2021. واعتبر أن هذا المجهود المالي يعكس المكانة الاستراتيجية التي تحتلها المدرسة العمومية ضمن السياسات العمومية الرامية إلى بناء رأسمال بشري مؤهل وقادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
وركز رئيس الحكومة بشكل خاص على تجربة "مؤسسات الريادة"، التي باتت تشكل الواجهة الأساسية للإصلاح التربوي خلال الولاية الحالية. وقدم معطيات تفيد بتحسن أداء التلاميذ المستفيدين من البرنامج، سواء من حيث التحكم في الكفايات الأساسية أو نسب النجاح والاندماج في السلك الإعدادي، معتبرا أن المؤشرات الأولية تؤكد نجاح النموذج وقدرته على تقليص التعثرات الدراسية والحد من الهدر المدرسي.
كما أبرز أن عدد المؤسسات المنخرطة في البرنامج عرف توسعا كبيرا، لينتقل من بضع مئات إلى آلاف المؤسسات في ظرف وجيز، مع استفادة ملايين التلاميذ من خدمات الدعم التربوي والمواكبة البيداغوجية، إلى جانب تكوين عشرات الآلاف من الأساتذة والمفتشين.
ولم يقتصر دفاع أخنوش على التلاميذ والمؤسسات التعليمية، بل امتد إلى ملف نساء ورجال التعليم، الذي اعتبره أحد أبرز عناوين الولاية الحكومية الحالية. وأكد أن الحكومة اتخذت قرارات غير مسبوقة لإنصاف الأسرة التعليمية، من خلال تسوية ملفات مهنية واجتماعية ظلت عالقة لسنوات، وإقرار زيادات في الأجور وتحسين مسارات الترقية وإحداث آلاف المناصب المالية الجديدة.
وبلغة الأرقام أيضا، تحدث رئيس الحكومة عن ارتفاع كتلة أجور التعليم من 48 مليار درهم سنة 2021 إلى 78 مليار درهم سنة 2026، معتبرا أن هذا التطور يعكس إرادة حقيقية لإعادة الاعتبار لمهنة التدريس وتعزيز جاذبيتها داخل المجتمع.
غير أن كثافة الأرقام التي استعرضها رئيس الحكومة لم تمنع استمرار النقاش حول سؤال ظل حاضرا بقوة داخل الجلسة وخارجها: هل نجحت هذه الاستثمارات فعلا في إحداث التحول المنتظر داخل المدرسة المغربية؟
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن تحسن المؤشرات وارتفاع الميزانيات وتوسيع برامج الإصلاح، ما تزال أصوات عديدة تشير إلى استمرار الهدر المدرسي بمعدلات مقلقة، وإلى الفوارق المجالية في جودة التعليم، وإلى الصعوبات التي تواجه الأسر في تحمل تكاليف الدراسة، فضلا عن استمرار البطالة في صفوف آلاف الخريجين الذين يفترض أن يكونوا الثمرة النهائية لأي إصلاح تعليمي ناجح.
ويبدو أن هذه المفارقة بين لغة الأرقام ولغة الواقع هي التي تفسر استمرار الجدل حول حصيلة الحكومة في قطاع التعليم. فالمعارضة لا تنازع الحكومة في وجود اعتمادات مالية أو برامج إصلاحية، لكنها تشكك في حجم الأثر الذي أحدثته هذه البرامج على حياة المواطنين وجودة الخدمات العمومية.
ولعل أكثر اللحظات إثارة خلال الجلسة كانت عندما غادر رئيس الحكومة محور التعليم ليدخل في مواجهة سياسية مباشرة مع المعارضة حول ملف عيد الأضحى وارتفاع أسعار الأضاحي، وهو الملف الذي طبع النقاش العمومي خلال الأشهر الأخيرة.
واتهم أخنوش خصومه السياسيين باستغلال ملف "الحولي" لأغراض انتخابية وسياسوية، معتبرا أن بعض الأطراف اختزلت النقاش السياسي برمته في أسعار الأضاحي، وسعت إلى تحويل مناسبة دينية واجتماعية إلى مادة للتجاذب الحزبي. كما انتقد ما وصفه بمحاولات التشويش على فرحة المغاربة والترويج لخطابات سوداوية لا تعكس حقيقة الوضع.
لكن هذا الرد لم يخل من مفارقة سياسية لافتة، إذ بينما كان رئيس الحكومة يدعو إلى تجاوز النقاش المرتبط بالأضاحي والتركيز على القضايا الاستراتيجية الكبرى، ترى المعارضة أن ملف القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار ليس قضية موسمية أو هامشية، بل يمثل جوهر الانشغالات اليومية للمواطنين، وأن الحديث عن النمو والاستثمار لا يمكن أن يكون بديلا عن الإجابة عن الأسئلة المرتبطة بتكاليف المعيشة ومستوى الدخل.
وفي محاولة لتعزيز موقفه، استند أخنوش إلى معطيات اقتصادية حديثة، مشيرا إلى أن الاقتصاد الوطني حقق نسبة نمو بلغت 4.9 في المائة خلال سنة 2025، متجاوزا التوقعات السابقة. واعتبر أن هذه الأرقام تشكل أفضل رد على المشككين في قدرة الحكومة على تحقيق نتائج إيجابية رغم التحديات المرتبطة بالجفاف والأزمات الدولية.
غير أن الجدل الذي رافق الجلسة أظهر مرة أخرى أن المعركة السياسية لم تعد تدور حول الأرقام في حد ذاتها، بل حول كيفية قراءتها وتأويلها. فالحكومة ترى في مؤشرات النمو وارتفاع ميزانيات القطاعات الاجتماعية دليلا على نجاح اختياراتها، بينما ترى المعارضة أن المعيار الحقيقي يبقى هو مدى انعكاس هذه المؤشرات على الواقع الملموس للمواطنين.
وبين خطاب حكومي يتحدث عن مدرسة تتعافى واقتصاد يستعيد ديناميته، ومعارضة تواصل طرح أسئلة الغلاء والبطالة وجودة الخدمات العمومية، بدا أن جلسة مساءلة رئيس الحكومة لم تحسم الجدل بقدر ما أعادت إنتاجه في صيغة جديدة عنوانها الأبرز: هل تكفي الأرقام لإقناع المغاربة بأن الإصلاح يسير في الاتجاه الصحيح؟
تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين
يوسف وفقيرخرج آلاف الأشخاص أمس الأحد إلى شوارع سبتة المحتلة في واحدة من أكبر التظاهرات التي شهدها الثغر المغربي المحتل...
البوابة بريسأكد المشاركون في الاجتماع الوزاري العربي الإسلامي، الذي احتضنته العاصمة الأردنية عمّان، اليوم الأربعاء على أهمية الدور الذي تضطلع به...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!