يوسف وفقير - البوابة بريس
في الوقت الذي يترقب فيه المغاربة أي خطوة تخفف عنهم ضغط الغلاء المتصاعد، جاء قرار الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات ليضيف حلقة أخرى في مسلسل القرارات التي يبدو أنها لا تفكرإلا في جيوب المواطنين. فقد تقرر رفع سعر الغازوال بحوالي درهمين للتر والبنزين بنحو درهم ونصف، على أن تدخل الزيادة حيز التنفيذ ابتداء من منتصف ليلة الاثنين 16 مارس 2026.
القرار بررته الحكومة بالاضطرابات الدولية المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وهو تبرير قد يبدو مفهوما في ظاهره، لكن المشكلة ليست في وجود أزمة دولية، بل في كيفية تدبيرها داخليا.
في الدول التي تحترم جيوب مواطنيها، تتحول مثل هذه الأزمات إلى لحظة نقاش وتفكير جماعي داخل الحكومات. فرنسا مثلا، التي يتخذها مسؤولونا قدوة في كثير من السياسات، عقدت حكومتها اجتماعا يوم أمس لدراسة تداعيات أزمة المحروقات. وخرجت بنقاش جدي انتهى إلى احتمالين قابلين للتطبيق دون الإضرار لا بالشركات ولا بالمواطن الفرنسي:
إما تقليص هامش الربح لدى شركات التوزيع، أو خفض الضرائب المفروضة على المحروقات.
صحيح ان الخيار الثاني قد يحرم خزينة الدولة من مداخيل مهمة، لكن النتيجة في كلتا الحالتين واحدة: استقرار الأسعار أو ارتفاع طفيف لا يرهق المواطن.
أما عندنا، فالقصة تبدو أبسط بكثير… وربما أكثر عبثا. فلا اجتماع حكومي موسع، ولا نقاش علني، ولا دراسة للسيناريوهات الممكنة. فقط قرار بالزيادة نزل نهارا، وبدأ تطبيقه مساء.
القانون المغربي بدوره واضح في هذا القطاع الحساس. إذ يفرض على شركات توزيع المحروقات توفير مخزون استراتيجي يكفي شهرين من حاجيات البلاد. غير أن المعطيات التي كشف عنها مجلس المنافسة تشير إلى أن هذه الشركات لا تتوفر حتى على مخزون شهر واحد في أقصى تقدير.
نحن إذن أمام خرق واضح للقانون. خرق يفترض أن يقابله حساب ومساءلة، لا أن يتحمل المواطن تبعاته.
لكن ما وقع ليلة تطبيق الزيادة كشف جانبا آخر من الفوضى التي يعيشها القطاع. فقد سارعت بعض محطات الوقود إلى رفع الأسعار قبل الموعد الرسمي بساعات، منذ حوالي العاشرة ليلا من مساء الأحد. بينما لجأت محطات أخرى إلى حيلة أكثر جشعا، حيث قامت بملء خزاناتها وتوقيف البيع مؤقتا في انتظار منتصف الليل لبدء البيع بالسعر الجديد.
إنها صورة صريحة لجشع بعض أرباب المحطات ولوبيات المحروقات الذين يتعاملون مع السوق وكأنه ضيعة خاصة، بينما يظل المواطن الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن في كل مرة.
والمغاربة يعرفون جيدا أن الزيادة في المحروقات لا تقف عند حدود محطة الوقود. فارتفاع المحروقات يعني ارتفاع كلفة النقل، وارتفاع النقل يعني ارتفاع أسعار السلع والبضائع، ومعها ترتفع أسعار المواد الأساسية. وهكذا تتحول الزيادة الصغيرة في اللتر إلى موجة غلاء تمس كل تفاصيل الحياة اليومية.
لكن المفارقة التي تجعل الصورة أكثر غرابة هي السياسات الاقتصادية التي تثير أكثر من علامة استفهام. ففي الوقت الذي يُطلب فيه من المواطن شد الحزام وتحمل موجة الغلاء، تقرر الحكومة دعم مصدري الطماطم نحو الأسواق خارج أوروبا بحوالي 750 درهما للطن الواحد.
هنا يحق للمواطن أن يتساءل بمرارة: كيف يُدعم التصدير من المال العام بينما يشتري المغاربة الطماطم في أسواقهم بأكثر من 13 درهما للكيلوغرام؟ كيف تصبح الأولوية لتشجيع خروج المنتوج إلى الخارج، بينما يعاني المواطن في الداخل من غلاء نفس المنتوج؟
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد زيادة في المحروقات أو دعم لقطاع معين، بل هو انعكاس لاختيارات اقتصادية تحتاج إلى مراجعة حقيقية. لأن استمرار هذا المنطق يعني ببساطة شيئا واحدا: أن المواطن سيبقى دائما آخر من يُفكر فيه.
لكن في المقابل، لا يمكن للمجتمع أن يظل متفرجا على هذا العبث. فالمطلوب اليوم هو وعي أكبر ويقظة جماعية، ومطالبة سلمية بتطبيق القانون ومحاسبة المتلاعبين بالسوق، لأن الدفاع عن القدرة الشرائية ليس ترفا سياسيا، بل هو حق أساسي من حقوق المواطنين.
والله إلى عيقتو…
يوسف وفقير - الرباطأقرت الحكومة دعما ماليا جديدا لفائدة مصدري الطماطم الطرية، وذلك بموجب قرار مشترك وقعه وزير الفلاحة والصيد...
يوسف وفقير – البوابة بريسأشرفت زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، اليوم الثلاثاء بالرباط، بمعية إيلاريا كارنفالي، الممثلة المقيمة...
اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا
كن أول من يعلق على هذا المقال
احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني