الثلاثاء, 02 يونيو 2026
اشترك الآن
Bawabapress

بين محاضر الغش والعقلية الأبوية... ضاع التلميذ

الثلاثاء 02 يونيو 2026 92
مشاركة:
بين محاضر الغش والعقلية الأبوية... ضاع التلميذ

 

يوسف وفقير

في المغرب، لا تحتاج إلى مؤتمر دولي ولا إلى مناظرة فكرية كبرى ولا حتى إلى كتاب من ألف صفحة لإشعال نقاش عمومي. يكفي أحيانا أن يضع أستاذ مجهول سؤالا في امتحان للفرنسية، حتى تستيقظ البلاد على معركة وجودية حول المرأة والحداثة والعقلية الأبوية ومستقبل الإنسانية.

هذا ما وقع بالضبط في امتحان الأولى باكالوريا، حين وجد التلاميذ أنفسهم أمام سؤال يطلب منهم مناقشة رأي يعتبر أن المرأة خُلقت فقط للزواج وإنجاب الأطفال. لم تمض ساعات قليلة حتى خرجت عريضة موقعة من حقوقيين وأكاديميين وجمعويين، تتحدث عن تكريس العقلية الأبوية وإعادة إنتاج الصور النمطية والإساءة إلى المرأة.

في الحقيقة، أول من يستحق التضامن في هذه القصة ليس المرأة ولا الرجل، بل التلميذ المغربي نفسه.

فمنذ أسابيع وهو يتابع نشرات التحذير من الغش، وبلاغات العقوبات، وصور أجهزة التشويش، وقصص الموقوفين، والتسجيلات التي تتحدث عن سنوات من الحرمان والمتابعات القانونية. حتى خُيل للبعض أن المقبلين على اجتياز البكالوريا ليسوا تلاميذ يستعدون لامتحان دراسي، بل متهمون يستعدون لدخول قاعة تحقيق. لا أحد يجادل في ضرورة محاربة الغش، لكن تحويل الموسم الدراسي إلى موسم للرعب التربوي يجعل حتى التلميذ المجتهد يدخل مركز الامتحان وقلبه يخفق. يحفظ الدروس والقواعد والنظريات، لكن وهو داخل قاعة الامتحان يتساءل هل ترك الهاتف في المنزل ام نسيه في محفظته؟...

ولأن الضغط وحده لا يكفي، وجد التلميذ نفسه هذه المرة مطالبا أيضا بحسم نقاش فلسفي واجتماعي عمره عقود. فبدل أن يبرهن على قدرته على كتابة فقرة سليمة باللغة الفرنسية، أصبح مطالبا بتحديد موقفه من مكانة المرأة في المجتمع، وكأنه يشارك في ندوة دولية حول قضايا النوع الاجتماعي وليس في امتحان للسنة الأولى باكالوريا.

المفارقة أن الجميع انشغل بما إذا كان السؤال أبويا أو تقدميا، بينما نسي السؤال الأهم: هل التلميذ أصلا يمتلك الأدوات اللغوية والمعرفية الكافية لمناقشة قضية بهذا التعقيد؟

ففي هذا السن، حيث لا يزال كثير من التلاميذ يحاولون التمييز بين الماضي المركب والماضي الناقص، قررت المنظومة التربوية أن تمنحهم مهمة إضافية تتمثل في حل إشكالية اجتماعية وفكرية لم ينجح الكبار أنفسهم في الاتفاق حولها.

أما أصحاب العريضة فقد تصرفوا وكأن السؤال كان مشروعا مجتمعيا متكاملا يراد تمريره عبر ورقة امتحان، بينما الحقيقة أن أغلب التلاميذ لم يكن يشغلهم لا المخيال الأبوي ولا الصراعات الفكرية التي تتقاذفها الندوات والبيانات. كان همهم الوحيد هو العثور على الكلمات الفرنسية المناسبة لإنهاء الموضوع قبل أن تنتهي المدة القانونية للاختبار.

وهذا لا يعني أن واضعي الامتحان أبرياء تماما. فاختبار اللغة شيء، واختبار المواقف الفكرية شيء آخر. عندما يتحول امتحان الفرنسية إلى امتحان في الفلسفة وعلم الاجتماع وقضايا النوع، فمن حق الناس أن يتساءلوا: هل المطلوب قياس الكفاية اللغوية أم فرز القناعات الشخصية للتلاميذ؟

كان بالإمكان اختيار عشرات المواضيع الأخرى: القراءة، التكنولوجيا، البيئة، الرياضة، الهجرة...، أو حتى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على التحصيل الدراسي. لكنها عبقرية اللجان التي لا تهدأ إلا عندما تضع أمام تلميذ في السادسة عشرة سؤالا قادرا على تقسيم المجتمع إلى معسكرات متصارعة.

وهكذا وجد التلميذ نفسه بين فكي كماشة. من جهة لجان تضع له سؤالا أكبر من سنه ومستواه اللغوي، ومن جهة أخرى نخبة كاملة تخوض حول ذلك السؤال معركة فكرية طاحنة. وبين الطرفين يضيع صاحب الورقة نفسه، ذلك الشاب الذي لم يطلب أن يكون حكما في قضايا المجتمع الكبرى، بل أراد فقط أن يجتاز امتحانه بسلام.

لذلك ربما حان الوقت لكي نتفق على أمر بسيط: الامتحانات وُجدت لاختبار ما تعلمه التلميذ، لا لتحويله إلى طرف في معارك إيديولوجية لا تنتهي. وإذا كان لا بد من استخلاص درس من هذه الضجة كلها، فهو أن المدرسة تحتاج إلى مزيد من الوضوح ومزيد من الحكمة وأقل قدر ممكن من القنابل الفكرية المزروعة بين أسئلة القواعد والإنشاء. فالتلميذ المغربي لديه ما يكفيه من التوتر والارتباك، ولا يحتاج إلى أن يتحول، كلما اقترب موعد الامتحان، إلى مشروع مفكر اجتماعي أو متهم محتمل أو موضوع سجال وطني مفتوح.

شاركنا رأيك

تعليقك يُثري النقاش ويساعد القراء الآخرين

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني

10 أحرف على الأقل · سيتم المراجعة قبل النشر

0

تعليقات الزوار

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه — تعليقك يهمنا!

مقالات ذات صلة

اليونسكو تطلق من المغرب برنامجا دوليا لتعزيز السياحة المستدامة وحماية الموروث الثقافي
مجتمع

اليونسكو تطلق من المغرب برنامجا دوليا لتعزيز السياحة المستدامة وحماية الموروث الثقافي

البوابة بريساختارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) المغرب ليكون من أوائل الدول التي تحتضن تنفيذ برنامج دولي جديد...

0 تعليقات
أزمة أضاحي العيد تفجر الغضب الشعبي وتصل إلى البرلمان وسط مطالب بالمحاسبة
مجتمع

أزمة أضاحي العيد تفجر الغضب الشعبي وتصل إلى البرلمان وسط مطالب بالمحاسبة

يوسف وفقيرتصاعدت حدة الجدل حول أزمة أضاحي العيد، بعدما شهدت عدة أسواق وطنية خلال الأيام الأخيرة نقصا ملحوظا في عرض الأغنام،...

0 تعليقات

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لتصلك التحديثات الجديدة يوميًا

نحن نحترم خصوصيتك. لن نشارك بريدك مع أي طرف ثالث.

اشترك في نشرتنا البريدية

احصل على آخر الأخبار والتحديثات مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لموقع bawabapress.com © 2026
شروط الاستخدام سياسة الخصوصية تم إنشاء وإدارة الموقع بواسطة AppGeniusSARL